عبد الملك الجويني
474
نهاية المطلب في دراية المذهب
ولكن لا يبعد أن يرتبط هذا باستصواب ذي الأمر ، ونظره ، فإنهم بالوقوع في الأسر صاروا أموالاً ، والتصرف في الأسرى من الأمور الخطيرة التي لا يدري فيها إلا ذو الأمر ، ولا يستبد بها الآحاد . 11360 - ومما نرى إلحاقه بهذا المنتهى أنا إذا صححنا أمان المسلم ، فلا نشترط أن يرجع من أمانه مصلحة على أهل الإسلام ، ولا يتصوّر اشتراط هذا في كافرٍ يؤمّن ، ولكن كما لا نفع لأمانه ، لا وقع لبقائه حربياً . وإذا كنا لا نرعى إظهار مصلحة في حق المسلمين ، فلا نطالب المؤمَّن بغرض له يبديه في الأمان ؛ فإن تكليف إظهار الأغراض الخاصة عسر ؛ على أن هذا يجري غير متعلّق بمجالس الحكام وأصحاب الأمر . نعم ، يشترط ألا يكون في الأمان المعقود ضرر عائد إلى المسلمين ، فلو أمن طليعةَ الكفار ، أو جاسوساً ، كان الأمان باطلاً . ثم الوجه ألا يُثبت هذا الأمان له حقَّ التبليغ إلى المأمن ؛ فإن دخول مثل هذا في ديار الإسلام جناية ( 1 ) ، فحقُّه أن يغتال بها ، والعلم عند الله تعالى . 11361 - ومما أبهمناه وهذا أوان تقريب القول فيه أنا قلنا : إنما يؤمِّن المسلم محدودين ، ولسنا نرى عدداً نقف عنده ، فنقول : ما ذكره الأئمة في ذلك أن الأمان ينبغي أن يكون بحيث لا ينسد بسببه الجهاد في جهة من الجهات ، وهذا يُبيِّن أن الأمان لو عُقد لأهل الناحية ، فهو مردود ، وإن فرض عقده لآحادٍ ، أمكن فرض الغزو في الناحية ، مع ترك التعرض للمؤمَّنين ، هذا ما ذكره الأئمة ، وسرّه أن الجهاد شعار الدين ، والدعوة القهرية ، وهو من وجهٍ من أعظم المكاسب للمسلمين ، ومن أظهر مجالب الأموال لبيت المال ، فينبغي ألا يَظهرَ بأمان الآحاد انحسامٌ ولا نقصان يُحَسّ ( 2 ) . ولو أمن مائةُ ألف من المسلمين ، مائةَ ألفٍ من الكفار ، فكل واحدٍ لم يؤمن إلا
--> ( 1 ) نقل النووي هذا عن الإمام ، وتصحف إلى ( خيانة ) . ( ر . الروضة : 10 / 281 ) . ( 2 ) حكى النووي هذه المسألة عن الإمام ، وأشار إلى التردد في صحة أمان الكل عند الانحسام أو النقص . ( ر . الروضة : 10 / 278 ) .